زمانٌ بين زمانين/ حنفي ولد دهاه

زمانٌ بين زمانين/ حنفي ولد دهاه

13 مايو، 2019 2 By

الديمقراطية لا تؤتي أكلها في خلق مناخ حكم تثمر فيه التنمية و الحرية الواعية إلا حين يكون المحكومون، المستفيدون الفعليون منها، مهيئين للاختيار.. و من هنا يكون من الضروري إيجاد ديمقراطيين قبل تطبيق الديمقراطية.

قد يبدو الأمر لغزاً حيث لا يمكن أن يسبق الموصوف صفته منطقياً، غير أن المقصود أنه في ظل تطوير الإجراءات و الآليات لتطبيق الديمقراطية ينبغي العمل على تربية المجتمع على ثقافتها، التي ستكون ثمرتها حسن الاختيار و الممارسة المسؤولة للحرية.

إن إصلاح التربة الديمقراطية، يتطلب تنقيتها و تهيئتها لبذر لا يطلع أعشاباً برية، و هذا الإصلاح يتناول جوانب ثقافية و اجتماعية و اقتصادية، تبدأ بمحو الأمية عن المواطنين، و إجبارية التعليم، و تنقية عقولهم و تحريرها من شوائب التبعية و الحجر و الوصاية على الفكر و الممارسة، و تنتهي بتوفير الكرامة و الرخاء المادي للمواطنين.

لم يكن يحمل الرؤساء المتعاقبون على الحكم في موريتانيا مشروعاً ديمقراطياً، و إنما كانوا يعتبرون أن الديمقراطية العرجاء، التي تتساوك على مشارف مدينة “حكم الشعب” دون أن تتوغل فيها، ضمانٌ لاستمرار استبداد مقنّع، يقطع الطريق أمام مبررات الثورة و الانقلابات العسكرية.

كانوا يتبنون ديمقراطية، تواكبها كل مقاتلها، من قبيلة و عقيدة و غنيمة، ثم يحرصون على أن يظل المواطن عرضة لتأثيراتها السلبية، كيما يظل طوع البنان الرسمي. و لعل هذا الرفض لخلق ناخب مستقل هو السبب في عدم منح المواطنين الموريتانيين في الخارج حق الاقتراع. لتمتعهم بصفات تمنحهم حرية الاختيار هي: التعليم و الاستقلال المادي.

ظلت الأنظمة تشجع “القبيلة” من خلال تمرير حقوق المواطن الضرورية من تعليم و توظيف و رعاية صحية، عن طريق شفعائها من شيوخ القبائل و أصحاب العمائم البيضاء من المشائخ الصوفية، حتى يقايضونهم تلك الامتيازات غير المستحقة، خلال مواسم الانتخاب. و هكذا تم تجهيل المواطنين من خلال رداءة التعليم و عدم مراعاة الكفاءة في التوظيف، و إنما المحسوبية و الزبونية السياسية. كما تم تدجين الإعلام رسميّه و مستقله، كيما يكون أداة لتظليم العيون، و ليس لكشف الغشاوات عنها.. فصار الإعلام الرسمي أداة لتمجيد الحاكم و تأليهه، و وسيلة لتصفية الحسابات مع خصوم الرأي و المواقف، أما مجاله المستقل فاستنت فيه القرعى، و ساد الأرذلون.

استقال المثقف العضوي عن دوره في نشر الوعي و بث قيم الحداثة، بعد أن تم تهميشه و محاربته في وجوده، ليجد المثقف التبريري فرصته في مواكبة المشروع الرسمي لتلويث العقل بما أوتي من ملكة في حثو الظلام في عيون الحقيقة.

حتى المعارضة لم تسعَ يوما لتكريس الثقافة و الممارسة الديمقراطية، لا في أحزابها التي لم تعرف تناوبا في أهرامها، و لا في ممارساتها الاستبدادية التي تقمع بها كل صوت مخالف لتوجهات قياداتها.. كما لم تكن مقنعة يوماً في رحلاتها السيزيفية بين موالاة الأنظمة المستبدة و دعمها، دائرةً في ذلك مع الجفنة المترعة حيث دارت.

إنه ينبغي للمرشح الذي سيتربع على كرسي الحكم بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، أن يقتصر مشروعه على خلق بيئة و ثقافة ديمقراطية صحيحة، بما يقتضيه ذلك من تنمية و بناء لـ “إنسان حرام”، حسب تعبير صديقي منصف مرزوقي. معتبراً بذلك أنه يدير البلاد لمرحلة انتقالية من “خمس سنوات”، يعيد فيها بناء المواطن، و يمنحه الثقة في نفسه، و يخرجه من سائر الدوائر الضيقة التي تؤثر في قراره الانتخابي.

و حين يشعر هذا المرشح الآن الرئيس غداً بعد انتهاء مأموريته الأولى، أنه رغم وجوده في السلطة قد يفقدها خلال ترشحه لمأمورية ثانية أمام مرشح آخر، فليتأكد أنه قد نجح في دمقرطة البلاد.!

و إن لم يترشح لمأمورية ثانية فقد يكون ذلك أفضل له و لتبيئة الديمقراطية.!

هذه المرحلة الانتقالية ضرورية للولوج لعهد ديمقراطي أبلج، وضاح الأسارير، لا تعلو محياه قترة الأحادية و الاستبداد.. و هي فترة قد تتطلب بعض التجاوزات في شكل الديمقراطية الصورية على غرار ما قاله ابراهام لنكولن عن ضرورة التقهقر خطوة من أجل التقدم خطوتين.

إن مرحلة تربية ديمقراطيين من أجل خلق ديمقراطية يكون في “زمان بين زمانين” كما يقول المناطقة في “متى انكسرت القدر”. و هذا الزمان الضروري هو السنوات الخمس القادمة.

الكاتب الصحفي الموريتاني والمثقف الكبير /حنفي ولد دهاه .